منذ أكثر من نصف قرن، يقف المعهد العربي في مدينة القدس شامخاً كقلعة من قلاع العلم والكرامة، حارساً أميناً للهوية الوطنية والإسلامية في وجه رياح التهويد والتهميش. ففي مدينة تتعرض مدارسها لمحاولات محو ممنهجة لهوية أهلها، ينهض المعهد العربي بدور وطني وأخلاقي، لا مجرد تربوي وتعليمي.
في قلب المعاناة اليومية، حيث يثقل الاحتلال كاهل التعليم العربي بالقيود والإملاءات، يفتح المعهد أبوابه لأبناء القدس، وخصوصاً الأيتام والمحتاجين، ليمنحهم — ليس فقط فرصة للتعلم — بل مساحة للتنفس، وللثبات على الأرض، ولحمل الرسالة.
لقد شكّل المعهد على مدار السنوات الماضية حاضنة تعليمية آمنة تستقطب مئات الطلاب المقدسيين الهاربين من خطر أسرلة المناهج في المدارس التابعة لبلدية الاحتلال ووزارة المعارف الإسرائيلية.
فبين جدرانه، يجد هؤلاء الطلبة تعليماً حرّاً لا يطمس ذاكرتهم، ولا يشوّه تاريخهم، بل يعيد تشكيل وعيهم الوطني والفكري بمنهاج فلسطيني يعزّز الانتماء، ويرسّخ الهوية، ويزرع فيهم بذور العزّة والمعرفة.
فالمعهد العربي ليس مجرد مدرسة، بل هو بيتٌ ثانٍ، وسندٌ لعائلات تئن تحت وطأة الأعباء المادية والسياسية. لقد واجه المعهد محاولات فرض المناهج المحرّفة، وحافظ بإصرار على تدريس المنهج الفلسطيني الذي يعزّز الانتماء، ويرسّخ الهوية، ويزرع في طلابه بذور العزة والمعرفة.
وفي صفوفه، ينمو جيلٌ يعرف تاريخه، ويدرك حاضره، ويحلم بمستقبل حرّ.
المعهد العربي ليس فقط مؤسسة تعليمية، بل هو فعل مقاومة، وموقع صمود، وجسر أملٍ يمتد من حاضر القدس إلى غدها.
